صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

258

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ « 1 » . بيّن حبر الأمة عبد اللّه بن عباس - رضي اللّه عنهما - حصار المشركين لبيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ابتغاء قتله ، ومبيت علي ابن أبي طالب - رضي اللّه عنه - في فراشه . كما أورد خبر انتقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى غار جبل ثور ، وقيام المشركين بقص أثره إلى الغار ، ورؤيتهم نسيج العنكبوت على مدخله وتركهم التحري فيه ، ولكن هذه الرواية لا تصلح للاحتجاج بها وإن كانت هي « أجود ما روي في قصة نسيج العنكبوت على فم الغار » « 2 » . وقد ورد ، إضافة إلى ذلك ، حديث آخر ضعيف جدّا بشأن الشجرة التي نبتت في وجه الغار والحمامتين الوحشيتين اللتين وقعتا بفم الغار ، وقد تسربت هذه الأخبار وأمثالها في العديد من كتب الحديث والسيرة « 3 » . الإذن بالهجرة : وحين أمر اللّه تعالى رسوله الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم بالهجرة إلى يثرب ، جاء صلّى اللّه عليه وسلّم متقنعا إلى منزل أبي بكر الصديق - رضي اللّه عنه - في وقت لم يعتد أن يزوره فيه ، في نحر الظهر ، وهو أشد ما يكون في حرارة النهار ، وقد روت أم المؤمنين عائشة - رضي اللّه عنها - وقائع ما جرى ، فقالت : « فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة ، قال قائل لأبي بكر : هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم متقنعا ، في ساعة لم يكن يأتينا فيها . فقال أبو بكر : فداء له أبي وأمي ، واللّه ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر » . قالت : فجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاستأذن ، فأذن له ، فدخل ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي بكر : أخرج من عندك ، فقال أبو بكر : إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول اللّه ، قال : فإنّي قد أذن لي في الخروج ، فقال أبو بكر : الصحبة بأبي أنت يا رسول اللّه ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : نعم ، قال أبو بكر : فخذ بأبي أنت يا رسول اللّه إحدى راحلتيّ هاتين ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالثّمن ، قالت عائشة : فجهزناهما أحثّ الجهاز ، وصنعنا لهما سفرة في جراب ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين ، قالت : ثم لحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد اللّه بن أبي بكر وهو غلام شابّ ثقف لقن ، فيدلج من عندهما بسحر ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحهما عليها حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما « 4 » - حتى ينعق بها عامر بن فهيره بغلس ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث . واستأجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر - رضي اللّه عنه - رجلا

--> ( 1 ) القرآن الكريم - سورة الأنفال ، الآية / 30 ، وانظر أحمد - المسند 5 / 87 . وقد بينت رواية ضعيفة بسبب الإرسال قصة اجتماع المشركين على باب دار الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لمراقبته والتهيؤ لقتله ، وخروجه إليهم دون أن يروه وذره التراب على رؤوسهم ( ابن هشام - السيرة 1 / 483 بسند صحيح إلى محمد بن كعب القرظي ) ، ولكنه مرسل . ( 2 ) أحمد - المسند 1 / 348 بإسناد ضعيف ، وقد حسّنه ابن كثير - البداية والنهاية 3 / 179 ، كما حسّنه ابن حجر في فتح الباري 7 / 236 ، والزرقاني - شرح المواهب 1 / 323 ، ويرى الألباني أنه لا يصح حديث في العنكبوت والحمامتين ، سلسلة الأحاديث الضعيفة 3 / 339 . ( 3 ) ابن سعد - الطبقات 1 / 229 ، البزار - المسند 2 / 232 ، وتسرب الحديث في المعجم الكبير للطبراني 20 / 443 ، ودلائل النبوة لأبي نعيم 6 / 269 - 270 ، ودلائل النبوة للبيهقي 2 / 231 ، والبداية والنهاية لابن كثير 3 / 181 ، وشرح المواهب اللدنّية للزرقاني 1 / 33 . ( 4 ) اللبن المرضون هو الذي طرحت منه الرضفة وهي الحجارة المحماة التي تذهب وخامته .